الشيخ محمد هادي معرفة
495
تلخيص التمهيد
فقد عبدته كما لو كان إلهاً أصيلًا ، أو انقلبوا إلى عبادة الآثار وآلهة منحوتة تمثّل امّه البتول . وحيث كان المدى قد طال على هذه الخزعبلات فإنّ المسيحيين قد ابتعدوا كثيراً عن بساطة تعاليم المسيح عليه السلام . حتّى لقد أصبحت عبادة الصوَر والقدّيسين والآثار جزءً لا يتجزّأ من ديانة يسوع . وكذلك فإنّنا نرى أنّ الشرور التي شجبها عيسى عليه السلام نفسه والطقوس التي أنكرها قد أخذت تدخل في صلب دينه ، واحدة تلو أخرى . * * * وبعد ، فإنّنا نرى ضدّ كلّ هذه السخافات التي كانت سائدة طول عصور والتي ظلّت مستحكمة البنيان ذلك العهد . كان هدف نبيّ الإسلام في حياته موجّهاً ومركّزاً على أسس قويمة يدعمها العقل والفطرة السليمة . فهو إذ يخاطب الناس يخاطبهم بحقّ ، وهو متأثّر باتصال وثيق مع اللَّه ، اللَّه الذي خلق الكون جملةً وتفصيلًا . ولم يحد محمّد صلى الله عليه وآله عن طريق العقل الرشيد . ورغم قيام عبدة الأوثان من أبناء القبائل العربية من جهة ، وأتباع المسيحية واليهودية الممسوختين من جهة أخرى ، بمحاولة إغرائه ، فقد ظلّ يخاطبهم حتّى جعلهم يخجلون من فظاعة معتقداتهم . وهكذا ، فإنّ نبيّ الإسلام - الذي كان يسمّى بحقّ « سيّد القائلين » و « سيّد المرسلين » والداعي إلى وحدانية اللَّه - قد صمد ، كما يحدّثنا التاريخ ، في صراع نبيل واجهته به أول الأمر ، ثمّ فرضته عليه بعد ذلك محاولات الإنسان الرجعية الرامية إلى إشراك مخلوقات أخرى مع خالق الكون . غير أنّ الدعوة قد غلبت الجميع ، وظهر الدين كلّه على الشرك كله . فقد « جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ » « 1 » . وليس أوضح ولا أجزم من الآيات التالية التي وردت في القرآن الكريم في تفسير وحدانية اللَّه إنّه يقول : « وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ . إِنَّ فِي خَلْقِ
--> ( 1 ) . التوبة : 48 .